ابن كثير

84

البداية والنهاية

حامل فأتت بأرطاة على فراشه ، وقد عمر أرطاة دهرا طويلا حتى جاوز المائة بثلاثين سنة ، وقد كان سيدا شريفا مطاعا ممدحا شاعرا مطبقا قال المدائني : ويقال إن بني غقعان بن حنظلة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث دخلوا في بني مرة بن شبة فقالوا بني غقعان بن أبي حارثة بن مرة . وقد وفد أبو الوليد أرطاة بن زفر هذا على عبد الملك فأنشده أبياتا : - رأيت المرء تأكله الليالي * كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبقى المنية حين تأتي * على نفس ابن آدم من مزيد وأعلم أنها ستكر حتى * توفي نذرها بأبي الوليد قال : فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه بذلك فقال يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي ، فقال عبد الملك : وأنا والله سيمر بي ما الذي يمر بك ، وزاد بعضهم في هذه الأبيات : - خلقنا أنفسا وبنى نفوس * ولسنا بالسلام ولا الحديد لئن أفجعت بالقرناء يوما * لقد متعت بالأمل البعيد وهو القائل : وإني لقوام لدى الضيف موهنا * إذا أسبل الستر البخيل المواكل دعا فأجابته كلاب كثيرة * على ثقة مني بأني فاعل وما دون ضيفي من تلاد تحوزه * لي النفس إلا أن تصان الحلائل مطرف بن عبد الله بن الشخير كان من كبار التابعين ، وكان من أصحاب عمران بن حصين ، وكان مجاب الدعوة ، وكان يقول ما أوتي أحد أفضل من العقل ( 1 ) ، وعقول الناس على قدر زمانهم . وقال : إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله هذا عبدي حقا . وقال : إذا دخلتم على مريض فإن استطعتم أن يدعو لكم فإنه قد حرك - أي قد أوقظ من غفلته بسبب مرضه - فدعاؤه مستجاب من أجل كسره ورقة قلبه . وقال : إن أقبح ما طلبت به الدنيا عمل الآخرة . خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير - وكان ذلك في يوم الخميس وقيل الجمعة للنصف من شوال من هذه السنة - لم يدخل المنزل حتى صعد المنبر - منبر المسجد الأعظم بدمشق - فخطب الناس فكان مما قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله المستعان على مصيبتنا في أمير المؤمنين ،

--> ( 1 ) في صفة الصفوة 3 / 224 عن أبي العلاء عن مطرف قال : ما أوتي عبد بعد الايمان أفضل من العقل .